Make your own free website on Tripod.com

السلام عليكم ... مرحبا بكم في موقعنا المتميز كل شي عن القطيف  علماء ..شعراء ..تاريخ ..تراجم ..ارتباطات

 

وصلات قطيفية

جغرافيا القطيف _ خرائط ومواقع أثرية _ وعيون _ وبساتين

شعراء وأدباء

مواضيع تاريخية

تراجم علماء القطيف

مجلة الواحة

العدد 1

متابعة للدور البريطاني بشأن

وقْعَة الشَرْبَة 

وحصار القطيف عام 1908

   
   نشوء السلطة المركزيّة أنهى الإضطرابات القائمة بين البادية والحاضرة في المنطقة الشرقية
 الإعتماد على قوة العثمانيين العسكرية في الحماية، نكب الحاضرة مراراً ولكنها لم تستفد من الدرس
 تاريخ الأحساء والقطيف.. سلسلة من الصراعات الدمويّة التي لم تتوقّف، وسلسلة من التآمر والأحقاد والأطماع بين القيادات المحليّة

تقديم

وقعة الشربة.. عنوان لحرب قامت بين الحاضرة والبادية في القطيف. وما أكثر الحروب التي كانت تقوم بين الطرفين قبل استيلاء الملك عبد العزيز على المنطقة الشرقية عام 1913، فقد كان لتواجد المناطق الحضرية وسط الواحات الغنيّة بالماء والزراعة والكلأ، وفي محيط لا متناه من الصحراء اليباب، الأثر الأكبر في هجرة الكثير من القبائل البدوية الى المنطقة الشرقية. وسرعان ما تحدث الإشتباكات والحروب بين البادية والحاضرة ولأتفه الأسباب، فإمّا تنتصر البادية، فتفرض الخوّة، وفي مراحل لاحقة سلطانها السياسي، كما حدث بالنسبة لقبيلة بني خالد. وإمّا أن تخضع البادية لسلطان الحاضرة إذا ما كان سلطان الأخيرة قوياً، أو تجمع بين القوّة والرشوة الماليّة، مقابل المحافظة على الأمن.

وقد كان هذا دأب الحكم العثماني في المنطقة (1871 ـ 1913)، حيث خضعت قبائل الشرق له كالخوالد والعجمان والمرة وغيرها، ولكن أكثر تلك القبائل سرعان ما تمرّدت حينما رأت ضعفاً في السلطة المركزية، أو حين أخلّت تلك السلطة بنظام (الدفع المالي) الذي يبقيها ساكنة ساكتة محافظة على الهدوء والأمن.

كانت قوّة البادية والحاضرة متعادلتين أواخر أيام الدولة العثمانية، بمعنى أن الحرب كانت سجالا بين الطرفين، وكانت السلطة متقاسمة حتى وإن لم يعترف العثمانيون بذلك. فمن جهة لم تتعد سلطة العثمانيين الأسوار إلا نادراً، وكانت القبائل تسيطر على ما عدا ذلك. كان البدو ينهبون ويقتلون، وكانت السلطة المركزيّة تردّ بعزم متراخ، ولكنّها على أيّة حال كانت في الغالب تردّ، وتستجيب للتحدّي.

ونظراً للضعف الظاهري للسلطة المركزية العثمانية في منطقة الأحساء والقطيف، خاصة أواخر العهد العثماني، فقد أغرى ذلك القبائل لمهاجمة الحواضر، فتزايدت حالات انفلات الأمن، وتكاثرت الفتن لأتفه الأسباب، وقامت عصابات النهب تجوب البحار (كما كان يفعل القرصان احمد بن سلمان الذي حوّل شاطىء القطيف الى شاطىء قرصنة فعلاً) مثلما تجوب السهوب والبراري.

وقد كثرت الوقعات، فما تكاد تخمد احداها إلا وتتبعها الأخرى، إن لم تكن في القطيف ففي الأحساء، فتاريخهما كان سلسلة من الهجمات البدوية وردود الأفعال عليها، وحياة السكان واقتصاد المنطقة كان رهناً بتلك الوقعات والحروب، وما أكثر ما نهبت المزروعات وأُتلفت، ولطالما بقي طريق القوافل بين ميناء العقير والأحساء مغلقاً بسبب سيطرة البدو عليه، رغم أنه شريان الحياة بالنسبة للأحساء.

في تلك السنين الخوالي، كان البدو يعيشون ضائقة اقتصادية، وكان الاخرون يعيشون ذات الضائقة بسبب إختلال الأمن، وقد وجدت، إضافة الى ضعف السلطة المركزية، الأطراف المحرّضة للثورة على السلطات العثمانية (الإنجليز والقوى المحلية الأخرى) الأمر الذي عقّد العلاقة بين البادية والحاضرة أكثر فأكثر.

صحيح أن العلاقة بين الطرفين قابلة في ظروف معيّنة لأن تكون علاقة تكامل وتبادل منفعة، ولكن الظروف لم تخدم هذا النمط من العلاقة، على رغم أن موجات من بدو القبائل قد جرى تذويبها في المجتمع الحضري على مرّ العصور.

وما وقعة الشربة إلاّ واحدة من الوقعات الكثيرة التي طواها التاريخ، والتي أصبحت جزءً من تاريخ هذه المنطقة التي تخلّصت بعدئذ من غائلة البادية بنشوء السلطة المركزية التي أقامها مؤسس المملكة الراحل عبد العزيز ال سعود.

كيف بدأت الوقعة، وكيف انتهت؟.

عن البداية يحدثنا الشيخ المرحوم فرج العمران، فيقول أنها وقعت في سوق القطيف في يوم الخميس الثامن عشر من جمادى الأولى عام 1326هـ [يوافق التاريخ 18 يونيو 1908]. وأصلها كما يقول المرحوم الشيخ (أن صبيّاً إسمه مكي بن الحاج ابراهيم الدبوس، من أهالي الدبابية كانت بيده شربة كبيرة (جرّة ماء) متخذة من الطين، ومملوءة ماءً للبيع. ووقعت من يده على الأرض فانكسرت، فرمى بها في الشارع فوقعت قريباً من أحد البداة، فظنّ أنّه رماها عليه متعمّداً، فجاء اليه البدوي فلزم حلقه ليخنقه، ووضع خنجره في خاصرته ليقتله، فاجتمعت عليه الناس فخلصوه. فكثر القال والقيل، وفشا السبّ والشتم، وتوفّر الضرب والجرح، فكانت الحادثة العظيمة بين الشيعة وعشائر السنّة من الصبيح ومطير والعجمان والعوازم والمهاشير وغيرهم، واستمرت الحادثة سبعين يوماً تقريباً [أواخر أغسطس 1908، أو أواخر رجب 1326هـ] وقتلت من الشيعة والسنّة رجال أبطال وذوو شخصيات، وممّن قتل فيها من الشيعة الشجاع الباسل جعفر بن الحاج حسن علي الخنيزي، وكان مقتله في 18/7/1326هـ، ودُفن في القلعة في المقبرة المجاورة لبيت آل أبي السعود) (انظر: الأزهار الأرجية في الاثار الفرجية، المرحوم الشيخ فرج العمران، المجلد 13، طبعة النجف الأشرف ص 330).

أمّا كيف انتهت المعارك، فالبعض يعتقد أنها جاءت بالصلح بعد نكسة عسكريّة تعرّضت لها القبائل بعد أن كانت متفوّقة طيلة مدّة حصار القطيف وقراها، في حين يرى البعض أن البدو تراجعوا بمجرد أن استقدمت القوات التركية المحاصرة قوات إضافية محمّلة بحراً من البصرة، حينها تراجع البدو، وبدا أن حصارهم للقرى لن يؤدي الى نتيجة، اللهم سوى شدّة انتقام العثمانيين، فسعوا الى مصالحة، كان الجميع راغباً فيها: السلطة المحليّة، والسكان المحليين، وقبائل البادية، وحتى الإنجليز أنفسهم، الذين خشوا من انعكاسات الإضطرابات على البحرين.

الأستاذ عبد العلي السيف، يذكر أن نهاية وقعة الشربة قد تمّت بانتصار الأهالي بعد معاناة أسابيع دمويّة. ويقول أن البدو جاؤوا بجمع كثيف وعسكروا في الجهة الغربية من القطيف وفي النخيل المجاورة للدبابيّة، ثم واصلوا الزحف الى القطيف للإنتقام، وكانت المدينة (القطيف) تتكون يومئذ من الشويكة والدبابية والكويكب والشريعة وميّاس والمدارس وباب الشمال والجراري والقعلة التي كانت أكثر تحصيناً ومنعة، فأُدخل فيها النساء والأطفال والعجزة والشيوخ. وحينها خطط الشيخ محمد النمر، وهو رجل دين ضرير، بأن يجعلوا الرجال على طول محيط السور وفي البرج، وأوصاهم بأن لا يرموا النار، بل عليهم الإنتظار حتى تنقص ذخيرة المهاجمين، ثم ليبدؤوا بالرمي بصورة متقطعة، فإذا اشتدت رماية المهاجمين.. تُرمى قلال التمر والرماد والتراب المعدّ مسبقاً من جهتي الغرب والشمال من أعلى السور، وحين طبّق ذلك، ظنّ البدو أن الحاجز الأمامي انهار، فتقدّموا بأجمعهم فكانت خسائرهم كبيرة، وانتهت بهزيمة البادية عن القطيف (انظر: عبد العلي السيف، القطيف وأضواء على شعرها المعاصر، ص 44، 45، نقلاً عن مجلة المنهل السعودية الصادرة في 21 ربيع الثاني سنة 1388هـ، إجابة من قبل الأستاذ مهدي السويدان على سؤال حول حادثة الشربة).

وإذا كان توثيق الحدث، يتطلّب البحث بين الأحياء ممّن لديهم معرفة بما حدث، فإنّ تفاصيل الواقعة وتداعياتها الإقليمية كانت أكبر من أن تستوعب من قبل الأهالي، بل ومن قبل قياداتهم المحليّة.

وللحق، فإنّ أكثرية المجتمع الحضري في القطيف والأحساء، كان يومئذ ضعيف الفاعليّة، وكانت القيادات المحليّة شبه مشلولة، وكان الإعتماد على العثمانيين في صدّ هجمات البادية قد نكبهم آخر الأمر.

ولربما كان الضعف القيادي يومئذ في القطيف كما في الأحساء، سبباً مباشراً في وقوع الأضرار الفادحة، لأنّه مهما كانت نتيجة (وقعة الشربة) فإن خسائرها للحضر، بشرياً واقتصادياً، أكبر بكثير ممّا تعرّض له المهاجمون.

كان الوضع الإجتماعي مفككاً، وكانت القيادة منحصرة في صنفين من الناس: رجال الدين، والملاك: إقطاعيين وتجار، وفي كثير من الأحيان إن لم يكن أغلب الأحيان نرى تحالفاً غير مكتوب بين الطرفين، وكانت المهام متداخلة، ولكن وجد من يقول بأن التجار هم الذين يسيطرون على الوضع.

والحقيقة فإن المجتمع الحضري يومئذ لا يختلف عن المجتمعات الإسلامية الأخرى، إذ قلّما تبرز قيادة محليّة من خارج الوسط الديني والتجاري، وربما بقي الحال الى هذا الوقت رغم التغييرات العاصفة التي شهدتها المجتمعات تلك، بسبب الفورة التعليمية، وشياع الثقافة وتطلّع شرائح إجتماعية من خارج هذين الصنفين (التجار ورجال الدين) لتتبوأ موقعها.

وقد أثبت كلا الصنفين، تاريخياً، فشلهما النسبي على الأقل، لضعفهما الذاتي، وقصور فهمهما السياسي، وللهامش الضيّق من حريّة الحركة المتاح داخلياً في العهد العثماني.

كانت القيادة الموجودة حين وقعت الإضطرابات قلّما تعاطت الشأن السياسي، مع أن بعض (وجهاء تلك الفترة) كان لديهم تأهيلاً أولياً لأن يلعبوا دوراً سياسياً ضمن المحيط المحلي.

لقد ابتليت القيادة الدينية في حاضرة القطيف، بما ابتليت به المرجعية (الشيعية) من ابتعاد شبه كلّي عن الشؤون العامة، واقتصار نشاطها على الوعظ والفتيا وجمع الحقوق الشرعية، وقليل من النشاط الإجتماعي.

أما على صعيد التجار والإقطاعيين، فقد حُكموا على الدوام بمعادلتين أضعفتهما: أولاها، إن الإعتراف بشرعيتهم وتمثيلهم المنفرد للمجتمع أمرٌ شبه مستحيل، فقد كانوا دوماً بحاجة الى الإنضواء تحت مظلّة رجال الدين. وثانيها، هي أن أكثرهم في تلك الحقبة المريرة التي مرّت بالمنطقة، كانوا يرجحون مصالحهم في الغالب، على مصالح مواطنيهم، ولم يتوصّلوا الى معادلة او الى فهم من نوع ما يجعل مصلحتهم متماشية مع مصلحة من يمثلونهم. على العكس من ذلك، فقد أذاق إقطاعيو وتجار (الشيعة) في القطيف أهليهم الويلات، لعقود طويلة، بالضرائب وبالتواطؤ والمؤامرات مع القائمقام التركي ورجاله.

لهذا، كانت قيادات المجتمع الحضري في القطيف وغيرها، تمارس دوراً هامشياً، وكانت متجاهلة حتى من قبل الأتراك الحاكمين الخائفين من تمدد سلطة الملك عبد العزيز الى الشرق، ورغم أنها كانت قادرة على سوئها وضعفها على حشد الشارع من أجل توفير الأمن الذاتي، فإنها لم تجرّب ذلك مرّة واحدة، ولم تكن داخلة في اللعبة المحلية إلا من وجهها السلبي، وهو أن لا تـشتـرك فيها.

من جهة أخرى، لم تتعدّ سلطة (الواجهات) أو القيادات المحلية خارج أسوار المدن والقرى، فلم تكن منافساً يخشى منه، ولا رقماً مفعّلاً يرجى خيره. كانت هناك قوة كامنة لم تستنهض، لم تكن لاعبة في الساحة، بل كانت متفرجة على لاعبين آخرين، على المتصارعين من القوى المحليّة والدولية.

لم تخرج القيادات الحضرية عن نطاق محليتها الى الإهتمام بالشأن العام للإقليم، أو أبعد من ذلك، اللهم إلاّ: أحمد بن مهدي بن نصر الله، ومنصور بن جمعة، وذلك أواخر القرن التاسع عشر، وقد شهدنا للأخير بعض الأدوار المتواضعة سياسياً وعسكرياً على صعيد الإقليم بمجمله، وكانت البداية طيّبة لم يخدمها الظرف السياسي المحلي والإقليمي.

وزيادة على (محليّة) الوجوه، فقد كانت الزعامات قليلة الفاعلية، ضعيفة منكمشة تفتقر الى المبادرة والخبرة والتجربة. كانت منعزلة عن الحياة العامة وشؤونها المختلفة. القلّة القليلة منها كانت قد نبغت في شيء ذي أهمية وذي قيمة فقهياً أو أدبياً أو حتى اقتصادياً. أما الشأن السياسي في فترة التحول التاريخي تلك (أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين الميلاديين) فلا أحد تبنّاه أو حتى فكّر فيه، إلا بعض الطموحين من العُمد، ولكن ضمن المحيط الداخلي للمدن والقرى.

وفوق هذا كلّه، كانت الأنانيّة والمصالح الشخصية قد عصفت بالقيادات الحضرية في القطيف، فأصبحت أشبه ما تكون بأحزاب متـنافرة يقودها العمد والشيوخ والإقطاعيون ورجال الدين، فتشرذم المجتمع، ولم يكن بإمكانه الصمود حتى وإن حُسب كلّ فردٍ فيه مقاتلاً، لأن القيادة في حقيقة الأمر كانت غائبة، ففوجئت بالتطورات من حولها، خصوصاً نشاط وحركة القبائل من حولها، والتي تصاعد عنفها ضد المناطق الحضرية، وأقصى ما كان يمكن لتلك القيادات أن تفعله هو: ردّ فعل الضعيف، وليس الفعل القائم على التخطيط المسبق، والمرتكز على المعرفة بما يدور في الساحة.

إن عدم الإطلاع على الشأن العام، كان كافياً لأن يجعل أيّ قيادة عاجزة عن الفعل من أساسه.

ولم تكن أزمة المواطنين الحضر منحصرة في وجود قيادة ذات مواصفات حسنة، تستطيع أن توفّر على الجمهور القليل من المعاناة أو كثيرها. بل أن الأزمة كانت حينئذ مضاعفة، فحتى لو وجدت القيادة التي تتصدّى، فإنها لا تلقَ الإلتفاف الصحيح، إذا ما كان المطلوب من الناس أمراً يخالف التوجّه العام. عكس هذا كان متوفراً لدى القبائل البدوية والقوى السياسية في الإمارات الخليجية. فقد كان الإلتفاف وراء الزعامة مصدر قوّة حقيقي، لا يشعر به إلاّ المجتمع المفكك المنعزل المقتول من التشرذم.

كانت مشكلة سكان القطيف تكمن في: وأد قياداتهم في المهد، وهي في معظم الأوقات تنتصب وكأنها قدر تاريخي لا يمكن الفكاك منه. لم تكن المشكلة في إنجاب الأكفاء، ولكن التعامل معهم خصوصاً في حاضرة القطيف كان الأسوأ، فإذا ما تصدّى أحدهم للمقعد الشاغر، ارتفعت الأصوات للنيل منه ولا يرتاح لهم بال إلا بتسقيطه.

لقد كشفت وقعة الشربة الكثير من مظاهر العجز في المجتمع الحضري القطيفي، ولربما لفتت النظر الى حقيقة أن السكان المتقاعسين الذين أصاب قسماً منهم شيءٌ من الترف، لم يكونوا قادرين على توفير الحماية لأنفسهم. لقد لعب الغنى النسبي دوراً سلبياً في الحواضر والأرياف، فباعتبار المنطقة من أغنى مناطق الجزيرة العربية، نشد السكان الذين كانوا ملاّكاً للأراضي والبساتين الممتدة من النخيل، والذين مارسوا شتى الحرف والمهن، نشدوا الإٍستقرار، وانشغلوا بتحسين سبل العيش، وتثاقلوا الى الأرض، فكان حالهم مغرياً.

قبل وقعة الشربة بقرنين، كان هناك انشغال واضح عن تهيئة القوة العسكرية، حتى بمستوياتها الدنيا لحماية المصالح الإقتصادية على الأرض، إذ لم تتهيّأ للقوة الإقتصادية، قوة عسكرية موازية تحميها.

لم يقم السكان الحضر، أفراداً وزعامات، بسدّ النقص وصناعة القوة العسكرية الخاصة، رغم أنه كان واضحاً لديهم بأنهم إنّما يتكئون على قوة عسكرية (تركية أو قبليّة) ليست قوتهم، وتلك القوة لا يمكن الوثوق بها، لأن حماستها في الدفاع عن الحاضرة ضعيفة.

وسنرى كم هي حماسة العثمانيين في الدفاع عن الأهالي أمام هجمات البدو في مطلع القرن العشرين، وأمامنا وقعة الشربة، التي كانت تمثّل أقسى أنواع الصراع الدموي.

مثل هذه التجارب يفترض أنها لم تغب عن نظر الزعامات المحلية، ولكنها لم تفعل شيئاً ذا بال لسدّ النقص الخطير، فإذا كان يمكن التساهل في الشؤون الأخرى، فإن أرواح الناس لا يمكن التساهل فيها، خاصة وأن الأخطار كانت محدقة بالمنطقة من كل جانب.

كان المواطنون يومئذ، بحاجة الى قوّة محاربين، وليس لبضعة أفراد للحماية الشخصية، وليس الى قوة لا تزيد عن سبعين جندي تركي حريص على الحياة. وأدّى التغافل عن ذلك الى نتائج سلبيّة، أهمّها إغراء البوادي بهم، ومن هنا يمكننا ملاحظة اهتمام السكان بوسائل الدفاع أكثر من وسائل الهجوم، فما من قرية إلاّ وكانت محاطة بسور يحميها من الغزو. ولكن لأن الدفاع من عمل الضعيف عادة، ولأن قانون المجتمعات جارٍ على أنه: ما غزي قومٌ في عقر دارهم إلاّ ذلّوا، فإنّ تلك الأسوار لم تمنعها من السقوط، ولم تمنع السكان من تقديم الكثير من الضحايا في الدفاع، بل ولم تمنع تلك الأسوار المهاجمين من إقتحامها وتشريد أو فرار الكثير من السكان الى الخارج، الى البحرين، كما في وقعة الشربة.

وأدّى ضعف القوة العسكرية الحضرية، الى ضعف الطموح والى إقعاد الهمم.

وترتّب على انشغال الواجهات المحلية عن توفير القوة العسكرية للحماية، أن أصبحت هي نفسها ضعيفة التأثير والأهمية، ليس فقط لدى السلطات العثمانية الحاكمة، أو القبائل المهاجمة، بل ولدى السكان المحليين أنفسهم. ولم يخطيء أولئك الذين وصفوا الحال في مطلع القرن العشرين بأن تقسيماً للعمل قد ظهر بصورة واضحة: الأكثرية السكانية الحضرية للفلاحة والحرف المهنية، والقبائل البدوية للعسكر والحرب، ومن تبقى للتجارة والسياسة.

إن القيادة، أيّة قيادة، كانت تسقط أهميتها واعتبارها إذا ما فشلت في توفير أهم مبررات وجودها: وهو الأمن للمحكومين، ومن هنا ربما لم تنل القيادات المحلية في القطيف، ولا السلطات العثمانية نفسها، احتراماً كبيراً من قبل السكان أنفسهم، ولم يكن لتلك القيادات رصيد ذو قيمة يجذبهم إليها، عاطفة وقوة واحتراماً. في حين نجح الملك عبد العزيز ـ فيما بعد ـ وبسهولة في جذب الأهالي لمشروعه السياسي، حين وفّر الأمن، وكفّ غائلة البادية.

وعموماً ، فإن حادثة الشربة، قد أوحت بالكثير من الملاحظات على الأوضاع الإجتماعية والسياسية في القطيف في العقد الأول من القرن العشرين.

ولقد سجّل البريطانيون مواقفهم ومعلوماتهم عن الحادثة (وقعة الشربة)، وكذا فعل العثمانيون، حكام المنطقة آنئذ، ولكن ليس هناك حتى الان الاّ القليل مما نعرفه عنها، الأمر الذي يغري بالكشف عن تفاصيلها وآثارها.

وهذا السجل الوثائقي، يستهدف استجلاء تلك الحادثة، التي كانت أكبر شاهد على انفلات الأوضاع الى أن ارتحل الحكم العثماني غير مأسوف عليه، وذلك من خلال استعراض ما سجّله البريطانيون القريبون من الأحداث، خصوصاً من خلال موقعيهم في البصرة والبحرين.

اعتمد هذا السجل الوثائقي على سجلات وزارة الهند I.O.R على سجلات وزارة الخارجية البريطانية      F.O.R :

( 1 ) المجلد رقم 34/10/ S&P/ I.O.R.L

وعنوانه : الخليج الفارسي : اضطرابات القطيف ، 1908 .

PERSIAN GULF : KATIF DISTURBANCES IN1908

( 2 ) مجلدات وزارة الخارجية:

F.O 406/24

F.O 416/20,21,22

F.O 424/216

وفي المجمل .. فان نصوص المراسلات بين المسؤولين البريطانيين ، فيما يتعلق بحادثة الشربة ، تعطي فكرة واضحة عن الموضوع . ويبقى ان نشير في النهاية ، الى ان توقعات البريطانيين لنتائج الاحداث اتسمت بالمبالغة الشديدة ، وهو امر اكتشفوه بعد توقف الاحداث .

(1)

رقم 422 تاريخ 8 أغسطس 1908

من: الميجور ف. ب. بريدو، المعتمد السياسي في البحرين

الى: ب. ز. كوكس، المقيم السياسي في الخليج الفارسي

بخصوص تمرّد البدو في منطقة القطيف. أفيدكم بأنني توجهتُ في الثالث من هذا الشهر على ظهر السفينة (لابوينغ) للتحقيق شخصياً في الأوضاع.

فقد نزلتُ الى البرّ بصحبة نائب الرائد (نائب قائد السفينة) بريدو برون، الذي انتدبه قائد السفينة غولد سميث لقيادة زورق المعتمديّة البخاري (البحرين) في الوقت الحاضر. وقد زرتُ دارين وسيهات وعنك، فوجدتُ أن الأوضاع قد وصلت بالفعل مرحلة بالغة الخطورة، سواء بالنسبة للأتراك أم بالنسبة لسكان بلدان وقرى الواحة الشيعة.

إن سكان قرية سيهات، وحامية عنك العسكرية يتعرضون لهجمات شرسة وحصار متواصل منذ أكثر من اسبوعين، ولم يسمح لهم بالإتصال أو الإنتقال أبداً الى خارج منطقتهم، رغم أنهم لم يتعرّضوا الى هجوم كاسح حتى الآن.

أما بلدة القطيف نفسها، فتتعرّض لهجوم قوي ومتواصل كلّ ليلة، وتُسمع زخّات إطلاق الرصاص المتبادل، وإطلاق المدافع من الحصن يتواصل كلّ ليلة.

أمّا في القرية القبليّة دارين، فقد وجدنا الإتصال والتنقّل مفتوحاً وحرّاً بينها وبين البحرين، وهناك من الأسباب الوجيهة ما يدفع للشك بأنّ اتهامات القائمقام القويّة للشيخ جاسم بن محمد بن عبد الوهاب بالتواطؤ مع تمرّد البدو هي اتهامات صحيحة على وجه العموم.

سأُرسل لكم تقريراً آخر حول القضيّة برمّتها في الإسبوع القادم. أمّا الآن فأنا أكتبُ لكم لأعرب عن اعتقادي بأنّه ما لم تُرسل تعزيزات قويّة الى الواحة وبسرعة، فإنّ الحامية التركيّة ستتعرّض للجوع حتى الموت، وستُجبر على التخلّي عن سكان هذه البلدان والقرى البائسين، وتعريضهم بالتالي لمذبحة شاملة.

تلقيتُ عريضةً وقّعها عدد كبير من تجّار البحرين الذين بيّنوا أنه في أعقاب توثيق علاقاتهم التجارية بواحة القطيف، ونتيجة لذلك، أصبح هؤلاء أنفسهم يتعرّضون لخسارات فادحة نتيجة دمار وانهيار أهل القطيف وتدمير جميع الممتلكات والعقارات في الواحة. كما أنني أتوقّع أن تضطّر السلطات التركيّة في البصرة قريباً الى استجداء المساعدة الفعليّة من سفننا الحربيّة لحماية ثلاثة معاقل رئيسية ماتزال تقاوم حتى الآن.

بمباشي عنك قال لي إن مؤونته قد نفذت أو تكاد، وليس هناك من شك في أنّ حال حامية القطيف وسكانها المدنيين أسوأ بكثير.

أعتقد أنه في هذه الظروف، بأن تقدّم الأتراك بطلب المساعدة منّا سيؤخذ بعين الإعتبار ويدرس على الفور، كما أسمح لنفسي بالتعبير بقوّة عن الأمل بأن يكون رد الحكومة (البريطانية) إيجابياً.

إذا حدث قبل تلقينا ردّكم، وتلقيتُ أنا أو قائد السفينة (لابوينغ) طلباً خطيّاً من القائمقام لتقديم المساعدة الفعّالة للحيلولة دون وقوع مجزرة وشيكة، فإنني سأوصي الكابتن غولد سميت حتماً باتخاذ جميع الإجراءات الممكنة، باستثناء إنزال قوات مسلّحة على التراب التركي، وذلك بهدف حماية السكان البؤساء وإجلائهم، إن أمكن، الى البحرين.

 

(2)

 

برقية من: الأدميرال السير ج. وارندر

الى: حكومة الهند

في: 8 أغسطس 1908

أفاد كبير ضباط البحر في الخليج الفارسي عن وقوع أعمال قرصنة في القطيف، وطلب استخدام زورق المعتمد السياسي في البحرين. إذا أمكن إعارة الزورق، فسآمر باستخدامه للعمليات العسكرية، وأزوّده بطاقم وعَلَم.

برقية من: حكومة الهند

الى: الميجور كوكس

في: 11 أغسطس 1908

بالإشارة الى برقية قائد البحرية المؤرخة في 8 أغسطس.

لا مانع لدينا من إعارة الزورق، شريطة إصدار أوامر المهمّة الأصوليّة وتزويد الزورق بطاقم وعَلَم.

 

(3)

 

رقم: 2419

تاريخ: بوشهر 9 أغسطس 1908

من: الكابتن أ. ب. تريفور،المساعد الأول للمقيم، والمسؤول عن المهام الجارية

الى: س. هـ. بتلر، سكرتير حكومة الهند في وزارة الخارجية، سيملا.

أُرسل لاطلاع حكومة الهند، مذكرةٌ حول الأحداث الأخيرة في القطيف، وهي مبنيّة على معلومات تلقيناها من المعتمد السياسي في البحرين.

  مذكرة

على مدى الأيّام العشرة الأخيرة، ارتفعت حرارة العداء والكراهية بين سكان بلدة القطيف وبين البدو. يبدو أن الصراع الذي سببته القضية المشار اليها في برقية هذه المقيمية رقم 1330 (مذكرات المقيمية رقم 27 للأسبوع المنتهي يوم 5 يوليو 1908) تمّ ترقيعه مؤقتاً فقط نتيجة وساطة قام بها القائمقام والحاج منصور باشا. أما الطرفان المتصارعان، فيبدو أنهما كانا ينتظران الفرصة المناسبة لاستئناف الأعمال العدائية.

مصدر هذا العداء وإثارته هو المشاكل التي برزت مؤخراً بين أهالي القطيف وبين قبيلتي السبيع والعماير البدويتين الساحليتين، وذلك حين رفض أهالي القطيف السماح لأفراد قبيلتي السبيع والعماير بدخول بساتين التمور لقطف مؤونتهم من ثمار النخيل.

وهكذا انضمّ السبيعيّون والعمايرة الى بعضهم وتحالفوا مع بدو الداخل، مما أدّى الى نشوء قوّة كبيرة أحاطت كلّها بالواحة، وقد بدأ هؤلاء باختراق الممرات داخل بساتين التمور وقتل البحرانيين [شيعة القطيف] وكانوا يقتلون إثنين منهم أو ثلاثة في كلّ مرّة.

تضامن الشيعةمع بعضهم للمقاومة، ولكنّهم ردّوا على أعقابهم عدّة مرات، وكبّدوا خسائر كانت تصل حسبما قيل من ثلاثين الى خمسين رجلاً في كلّ معركة، أمّا خسائر الطرف الآخر فكانت طفيفة بالمقارنة.

وأخيراً أصاب البحرانيين الخوف والوهن، وحاول الجنود الأتراك المتمركزون في عنك القيام بتظاهرة زحفوا خلالها الى داخل الصحراء، ولكن دون جدوى.

ومنذ ذلك الحين والوضع يزداد سوءً وخطورة، واجتاح الواحة البدو الذين يقترفون جميع أنواع الجرائم الوحشية. يُقال إن مئات من سكان القطيف قد قُتلوا، وقُطفت ثمار آلاف أشجار النخيل التي قطعت بعد ذلك، كما نُهبت 28 قرية ثم أُحرقت عن بكرة أبيها.

وقد وصل حوالي 800 لاجىء من الرجال والنساء والأطفال، ومعظمهم من طبقة صيادي اللؤلؤ، وصلوا الى سنابس البحرين في يوم 29 يوليو 1908، وانتشروا في القرية، حيث احتلّ العديد منهم بيوتاً يخليها أصحابها في هذا الفصل من السنة بحثاً عن مناطق أقل حرارة ورطوبة على شاطىء البحر.

ويقال إن البدو استولوا على جميع الأماكن في الواحة باستثناء حصني عنك والقطيف. ويزيد الوضع خطورة اندفاع البدو الى البحر حيث يسلبون صيادي اللؤلؤ القطيفيين صيدهم ثم يقتلونهم في البحر. ويقال أيضاً إن قارباً كان يحمل 23 قطيفياً فاجأه البدو بغتة قرب دارين وذبحوا من فيه حتى آخر رجل منهم.

أما التجار في البحرين، من رعايا بريطانيين وأجانب، والذين لهم مصالح كبيرة تتعرض للخطر في القطيفن فقد رفعوا مذكرة الى المعتمد السياسي ناشدوه فيها إرسال زورق حربي مزوّد بالمدافع الى القطيف، حماية لمصالحهم، وإنقاذاً للوضع المتدهور.

وبناءً على ذلك، تحرّك زورق المعتمدية يوم 30 يوليو (1908) بأمر من الرائد البحري غولد سميث وقيادة الرائد البحري بريدو برون، قائد السفينة لابوينغ، وذلك بهدف الحصول على معلومات صحيحة وحديثة من قائمقام القطيف. وقد عاد الزورق في الأول من إغسطس حاملاً معلومات تشير الى أن سكان دارين من المسلمين السنّة (ودارين هي بلدة محمد عبد الوهاب باشا) يتعاونون راغبين أم مكرهين مع البدو دون أيّ اكتراث أو اعتبار لسلطة القائمقام، الذي يزعم أن قراصنة البدو يستخدمون قوارب دارين بحريّة للقيام بعمليات القرصنة ضدّ سكان قرى واحة القطيف وبلدتها. ويقال أيضاً أن عدداً من القوارب الكويتية راسية في دارين، وأن أصحابها يقيمون في الجزيرة بلا عمل، ويخشى القائمقام أن ينضمّ هؤلاء الى البدو الآخرين في هجوم كاسح على الحصن.

ويقال أن قارباً محمّلاً بأربعين بندقية غادر المحرّق الى القطيف حوالي الثلاثين من يوليو (1908) حين هاجمه البدو بغتة قرب ميناء القطيف، وقد أُصيب النوخذا حمد بن عبد الله الحسن بجروح طفيفة وهو يحاول إنقاذ البنادق التي وقعت في أيدي البدو الذي أمروه بإعادة قاربه الى البحرين، وتحذير الآخرين هناك من مغبّة القدوم الى القطيف.

من المعتقد هنا (؟) أن أهل القطيف ناشدوا أمير نجد عبد العزيز بن سعود ان يرسل قوّة لمساعدتهم. وفي الأول من أغسطس (1908) أرسل القائمقام برقية الى مكتب بريد البحرين لإرسالها الى البصرة طلباً لتعزيزات عاجلة، بما في ذلك بارجة حربية وبعض قطع المدفعيّة.

كانت السفينة لابوينغ وزورق المعتمدية في البحرين على وشك الإبحار الى المياه القريبة من القطيف في الثاني من أغسطس لمنع مرتكبي أعمال النهب والسلب من التوجّه الى البحر وارتكاب جرائمهم هناك.

 

(4)

 

في: 13 أغسطس 1908

من: قائد السفينة أ. ن. غولد سميث

الى: كبير ضباط البحر في فوج الخليج الفارسي (السفينة سفنكس)

تقرير حول تحركات السفينة لابوينع المتمركزة في البحرين

من الواضح أن اضطرابات القطيف مصدرها الأحقاد والضغائن القائمة بينأهالي بلدة القطيف من ناحية وبين البدو، وقد تحالفت قبيلتا السبيع والعماير مع بدو الداخل، وتجمّعت قوّة كبيرة حول القطيف، وأخذت تهاجم البلدة باستمرار، ويعتقد أن ما بين 30 50 رجلاً يُقتلون في كلّ هجوم يُشنّ على البلدة.

تبدو كلّ المناطق المحيطة بالقطيف وقد صعقها الرعب والخوف والذعر الشديد، أما النشاط التجاري فقد توقّف تماماً. وقُطعت آلاف من أشجار النخيل، ويقال أن ما لا يقل عن 28 قرية قد نُهبت ثم أُحرقت، وهي حقيقة تؤكّدها المظاهر القائمة. كما أن حوالي 800 لاجىء غادروا القطيف الى البحرين في نهاية شهر يوليو، ومنذ ذلك الحين غادرت القطيف ثلاثة قوارب أخرى محمّلة باللاجئين، ومن المحتمل أن تغادرها أعداد أخرى، لولا خشيتهم من اعتراض البدو لهم في عرض البحر.

ومن الواضح أيضاً أن حصني عنك والقطيف هما الموقعان الوحيدان على الساحل اللذان لم يسقطا في أيدي البدو، وقد علمتُ أن قارباً كان يحمل 23 رجلاً قادمين من القطيف اعترض في البحر مؤخراً، وجرى ذبح جميع من فيه قرب دارين.

أبلغني مساعد الرائد بريدو برون أنه (عملاً بأوامري له بزيارة قائمقام القطيف للسؤال عمّا إذا كانت شائعات وقوع أعمال قرصنة في منطقة القطيف صحيحة، وعمّا إذا كان بإمكاننا تقديم أيّ نوع من المساعدة للقائمقام) وجد أن ما وصلنا عن أعمال القرصنة وعن التمرد في المنطقة صحيح. فقد قال القائمقام بأن الذين يسببون المشاكل والإضطرابات في البحر جعلوا من دارين مقراً لقيادتهم، حيث الأهالي والشيخ جاسم يظهرون تعاطفاً معهم، وهم يقدّمون لهم المؤونة والقوارب. ثم طلب القائمقام مني أن أحتجر وأُصادر جميع القوارب التجاريةالتي تنتقل بين راس تنورة والبحرين، خصوصاً تلك الموجودة في دارين، وأن أُسلّمها بعد ذلك له، وعندها فقط كما قال سيكون بإمكانه التمييز بين الأبرياء والمذنبين.

وافقتُ على طلبه، وأمرتُ جميع القوارب العاملة في المنطقة بالإبتعاد عن مياه القطيف، وإلاّ تعرضت للإحتجاز. وقال القائقمام إنه سيكون من المستحيل بالنسبةله أن يتحكّم تحكّماً كفأً بالبحر المجاور لمنطقة سلطته بدون مساعدة قطعة بحرية تحمل مدفعاً، وأضاف بأننا إذا كنّا راغبين في مساعدته في هذا المجال، فإن مساعدة كهذه ستكون مقبولة، وقال بإنه أبرق يطلب قوات إضافية وقطعة بحريّة مزوّدة بمدافع، ولكن نظراً للأوضاع المضطربة في الأقاليم التركية الواقعة شمال البصرة، فإني أشكّ في إمكانيّة توفر مثل هذا الدعم، وإمكانيّة الحصول عليه.

أقلعت السفينة وزورق المعتمديّة معاً، حيث غادرا صبيحة التاسع من أغسطس (1908). رست السفينة مقابل رأس تنورة بعد ظهر اليوم ذاته، وتوجهتُ أنا على ظهر الزورق لزيارة القائمقام. من خلال حديثي معه، اتضج لي أن الإضطرابات في المنطقة في ازدياد بدل أن تخفّ وتتراجع، وقد استغرق الأمر منّي وقتاً طويلاً حتى أحصل من القائمقام على اعتراف بالعجز عن مقاومة البدو نظراً لقلّة عدد الجنود. وإذا لم يحصل القائمقام على تعزيزات قريباً جداً، فقد يصبح الوضع بالغ الخطورة. قال القائمقام إنه يأمل أن يحصل على تعزيزات من البصرة خلال بضعة أيام، ولكن إذا لم يحصل ذلك، وبقي الوضع على حاله، فإنه سيطلب منّي حينئذٍ إنزال جنود ومدافع الى البرّ لمساعدته في تحقيق هدفه. وهنا أبلغته بأنني سأفعل كلّ ما بوسعي لطرد القراصنة وإبعادهم عن البحر، وذلك لمساعدته وتمكينه من الحصول على الدعم والمؤن، وكذلك لمساعدة الراغبين من الأهالي في مغادرة البلدة على الرحيل منها.

بقيتُ مرسياً زورقي مقابل القطيف طوال الليل، وقد سمعتُ خلاله تبادل نيان كثيف كان يجري في كلّ أنحاء المنطقة. وقد كان تبادل إطلاق النار متواصلاً على مدى الأسبوع الماضي، وسمعه كل من في الزورق خلال زياراتهم السابقة، كما أُمكن مشاهدة العديد من بساتين النخيل وهي تحترق وتلتهمها النيران من على ظهر زورقنا.

في صبيحة يوم الحادي عشر من أغسطس، زارني الشيخ جاسم (بن محمد بن عبد الوهاب) على ظهر الزورق، وأبلغني أن القرصان أحمد بن سلمان قد انضمّ الى البدو على اليابسة، وقال أيضاً إن البدو قد غنموا مدفعاً في الحصن التركي في الدمام.

وصباح الثالث عشر من أغسطس، أرسلتُ زورق المعتمدية الى العقير للإستطلاع وتقصّي الأخبار، بينما توجهت السفينة الى البحرين، التي وصلتها بعد ظهر هذا اليوم.

توقيع

أ. ن. غولد سميث

قائد السفينة

 

(5)

 

مذكرة/ محضر رقم 167

تاريخ 13 ، 14 أغسطس 1908

الخليج الفارسي/ التمرّد في واحة القطيف وجوارها، والجواب الذي سيقدّم للقائمقام فيما لو تقدّم بطلب للمساعدة، وهو ما يتوقّعه المعتمد السياسي في البحرين.

مقدمة: تضمّ واحة القطيف حوالي 26000 نسمة، يقيم حوالي 10000 منهم في بلدة القطيف وضواحيها. ولقد أقام الأتراك سلطة عليها منذ عام 1871، ولكن إدارتهم للمنطقة تتسم بالفوضى والإرتجال.

 

(6)

 

قيادة البحرية

في: 15 أغسطس 1908

الى: وزير شؤون الهند

  سيدي :

بأمرٍ من هيئة قيادة البحرية، أرسل طيه لاطلاع وزير شؤون الهند نسخة من رسالة تحمل تاريخ هذا اليوم، وتتعلّق بتقديم المساعدة للحامية التركية في القطيف.

برقية رقم 100

من: قائد اسطول جزر الهند الشرقية كولومبو

الى: قيادة البحرية لندن

تاريخ: 15 أغسطس 1908

فيما يلي برقية وصلت من الخليج الفارسي حول الأوضاع في القطيف:

القطيف والقرى المجاورة لها يحاصرها اعداد كبيرة من البدو، والحامية الصغيرة هناك تتعرّض لضغوط توشك نتيجتها على السقوط. المجازر والمذابح تتوالى. وتجارة جزيرة البحرين توقفت تماماً.

نحن نراقب الوضع فقط، ونراقب تحركات قراصنة البدو. نحن نقف على أهبة الإستعداد لمساعدة اللاجئين.

السفينتان (ردبرست) و(لابوينغ) تكفيان في الوقت الحاضر، وإذا وافقت الحكومة على تقديم المساعدة للسلطات التركية على شكل قوّة عسكريّة في حال طلبها، فإن المقيم السياسي في البصرة يقترح إرسال زورق مزوّد بالمدافع في حملة عسكرية عناصرها من سفن الخليج الثلاث لطرد البدو، وإبعادهم عن القطيف، وتمكين القوات التركية من احتلال مواقعهم.

تستطيع سفن الخليج إنزال مدفعين ميدانيين، وأربعة مدافع، وربما حوالي أربعين من جنود البحرية. وسيكون هذا كافياً بالإضافة الى التعزيزات.

لن يستطيع البدو مواجهة مدافع القوات التركية، ويتوقع أن يغادر البصرة مدفعان يوم 16 أغسطس، ولكن والي البصرة لم يطلب حتى الآن المساعدة البريطانية، غير أن الإيحاء بمثل هذه الرغبة سيلقى كلّ ترحيب.

هل توافقون على الإجراءات المبيّنة أعلاه، إذا ما تقدّمت السلطات التركية بطلب المساعدة؟.

انتهت البرقية

لقد أمرته بأن لا يقوم بأيّ إجراء نيابة عن السلطات التركية وبدون موافقة قيادة البحرية العليا.

نسخة من البرقية رقم 67

من: قيادة البحرية

الى: قائد أسطول جزر الهند الشرقية

تاريخ: 15 أغسطس 1908

بالإشارة الى برقيتيكم (97، 100) تمّ إعلام وزارة الخارجية ووزارة شؤون الهند بأنّ قيادة البحرية لا ترغب في إنزال ذوي المعاطف الزرقاء BLUE JACKETS في القطيف. وإذا ما تقدّم الأتراك بطلب مساعدة بحريّة، فيجب أن تقتصر على ما هو ممكن من البحر، وبواسطة الزوارق.

 

(7)

 

رقم 60، البصرة في 15 أغسطس 1908

من: القنصل غري البصرة

الى: السير ج. لوثر، سفير بريطانيا في القسطنطينية

  سيدي :

بالإشارة الى برقيتي رقم 53 وتاريخ 12 من الشهر الجاري (أغسطس) أفيد سعادتكم بأنّ المقيم السياسي والقنصل العام في بوشهر أرسل إليّ برقية يوم 11 من هذا الشهر لإرسالها الى كبير ضبّاط البحريّة، الموجود حالياً في البصرة قائداً للسفينة سفنكس.

يقول المقيم السياسي في بوشهر في برقيته، إن سكان القطيف الذين تحميهم حامية صغيرة وغير كافية، هم في وضع بالغ الخطورة والحرج، حيث أن البلدة يطوّقها البدو الذين يقدّر عددهم بألفي رجل. ويقول إنه ما لم تصل تعزيزات فإن المتوقع أن يتعرّض سكان البلدة برمتهم لمجزرة ذبح جماعية.

بسبب هذه الظروف تمركزت السفينة لابوينغ في نقطة هي أقرب ما تكون للقطيف، ولكن نظراً للموقع الشاذّ للبلدة لا يستطيع أيّ زورق مزوّد بالمدافع أن يقترب اكثر من مسافة ستة أميال بعيداً عن المباني، وقد علمتُ الآن أن السفينة الحربية ردبرست تستعد هي الأخرى لتقديم المساعدة اذا طُلب منها ذلك.

رأيتُ من المناسب أن ألتقيَ بوالي البصرة، إذ أن قائمقام القطيف خاضع لإمرة حسان بيك. بدا لي أنه يرحب بتصرفنا تجاه هذه المسألة، وأخبرني أنهم (الأتراك) يستعدون لإرسال تعزيزات من هنا (البصرة) إمّا على ظهر الزورق الحربي (كيليد البحر KILID-EL-BEHR) أو سفينة إنزال يتمّ استئجارها، حيث تختلف وجهات النظر بخصوص هذه النقطة بين السلطات العسكرية والسلطات المدنية. فعمق قاعدة الزورق الحربي التركي يبلغ 12 قدماً، ولا يمكنه الإقتراب من القطيف أكثر من رأس تنورة. هنا يتوجّب إنزال الجنود بواسطة قوارب، وقد يتعرّضون أثناء ذلك لنار البدو بقيادة جاسم بن محمد بن عبد الوهاب، الذي يسيطر على دارين والمتحالف مع المحاصرين.

سألني الوالي عمّا إذا كان ممكناً الحصول على مساعدة زورق الحكومة البريطانية الموجود تحت تصرّف المقيم السياسي في البحرين، فأبلغته أن ليس باستطاعتي إعطاؤه أيّة معلومات حول هذه المسألة بدون تعليمات من سلطات أعلى. كان الميجور كوكس (المقيم في بوشهر) ذكر في برقيته أن حكومة الهند قد سئلت بالفعل عن مدى المساعدة التي يمكننا تقديمها للأتراك نظراً لمصالحنا التجارية الهامّة هناك.

تؤكد مراسلة من البحرين وصلتنا بعد وصول برقية بوشهر على خطورة الوضع والحاجة الى قرار عاجل، وقد طالبتُ الوالي بإلحاح أن يرسل تعزيزات على الفور. ومع أنه وعد بذلك، إلاّ أنني لا أثق بوعده كثيراً، لأنّه لا يوجد أكثر من 250 جندي في البصرة، والوالي غير ميّال الى إخلاء البلدة من الجنود وحرمانها منهم.

هذا النقص يحتمل تعويضه حين تصل التعزيزات من بغداد، ولكن في هذه الأثناء من الممكن جدّاً أن يتناقص عدد أفراد حامية القطيف الى أقصى حدّ، ممّا قد يجبرها على إخلاء المدينة، وبناءً على هذا أنا مستمرٌ في حثّ الوالي على إرسال جميع من يستطيع توفيرهم الى مسرح العمليات.

 

(8)

 

من: قائد السفينة الحربية (ردبرست) الراسية في مياه القطيف

الى: القائد القبطان شيرلي لتشفيلد، قائد اسطول الخليج الفارسي. السفينة سفنكس

تاريخ: 17 أغسطس 1908

تقرير عن الوضع في القطيف

  سيدي :

قمتُ بزيارة للقائمقام في القطيف في اساعة السادسة مساءً، وبدا لي أن الأمور واضحة تماماً في ذهنه بالنسبة للوضع، وقال إنه أُبلغ بأن أعداداً إضافية من الجنود سيرسلون إليه، ولكنه لا يعلم متى ولا كيف. وقال إن هذا الخبر قد وضع حدّاً لتصرفات البدو، وأنهم لم يهاجموا البلدة خلال الليالي الثلاث الماضية.

لم تصل أيّة أخبار عن القرصان أحمد بن سلمان، ولا يعتقد القائمقام أن القرصان موجود في أيّ مكان قريب من البلدة. لكن حقيقة الأمر هي أن وجود السفينة الحربية (البريطانية؟) هو الذي وضع حدّاً لهجمات البدو، على الرغم من وجودها في مياه البحرين، لأن هؤلاء البدو لا يعرفون متى تبحر السفينة وتتجوّل في تلك المياه (مياه القطيف).

لا أعتقد أن الوضع في القطيف خطير بالقدر الذي ظنناه في بادىء الأمر، ولكن من المؤكد أن قتالاً طويلاً وحامياً وقع هناك. بدا القائمقام راضياً ومقتنعاً بأن كميات المؤونة والذخيرة المتوفرة لديه ستكفي وتدوم حتى وصول القوات التركية.

أبلغته أنني سأظلّ أتجوّل بسفينتي في هذه المياه مدّة عشرة أيام، ثم أرسو في البحرين، وأحياناً في القطيف، وإذا ما سمع بأيّة اضطرابات أو مشاكل في البحر فما عليه إلاّ أن يبلغني على الفور.

توقيع

ج. أ. شوتر، قائد السفينة

 

(9)

 

رقم: 28417

من: وزارة الخارجية

الى: قيادة البحريّة

تاريخ: 17 أغسطس 1908

 سيدي:

أمرني الوزير (وزير الخارجية) السير إدوارد غري بأن أشعركم باستلامنا لرسالتكم المؤرخة في الخامس عشر من الشهر الجاري (أغسطس) بخصوص الوضع في القطيف. رداً عليها، أُمرتُ أن أطلب من هيئة قيادة البحرية أن تتفضّل فتوضّح بما لا يدع مجالاً للشكّ لقائد الأسطول في جزر الهند الشرقية، بأنّه لا يجوز له أن يقدّم المساعدة للسلطات التركيّة إلاّ إذا طلب الباب العالي ذلك من حكومة صاحب الجلالة، وإلاّ إذا خوّل هذه الصلاحية من قبل هيئة قيادة البحرية بعد التشاور مع وزارة الخارجية.

وأُمرتُ أن أضيف بأن تقديم المساعدة من قبل أي من سفن صاحب الجلالة يجب أن يقتصر، من وجهة نظر السير إدوارد غري، على إنقاذ حياة الناس فقط.

توقيع

لويس ماليت

 

(10)

 

من: السفينة سفنكس

الى: قائد الأسطول في جزر الهند الشرقية

في: 18 أغسطس 1908

الموضوع: الوضع في القطيف

  سيدي :

أرفق طيّه التقرير المرفق الذي وصلني هذا اليوم من الملازم غولد سميث، قائد السفينة لابوينغ، والمتعلّق بالأوضاع السائدة في القطيف، وبتحركات سفينته هناك.

وصلتني أخبار الأوضاع، في البدء، على صورة رسالة شخصية في السادس من هذا الشهر (أغسطس)، وتحسّباً لما قد يطلب منّا، أبرقتُ الى سفينة (ردبرست) في مسقط وهنجام في طريق عودتها من كراتشي، طالباً منها التوجّه الى البحرين، وطلبتُ من قائدها الإحتفاظ بسفينة (لابوينغ) هناك إذا دعت الضرورة، وأن يضع نفسه تحت تصرّف المعتمد السياسي في البحرين.

وفي الثاني عشر من الشهر الجاري، تلقيتُ برقية من المقيم في بوشهر، رأيت من الأفضل أن أرسلها لكم لتطلعوا عليها..، إذ أنه من المتوقع أن يطلب قائمقام القطيف المساعدة البريطانية لإنقاذ السكان من مذابح مؤكّدة بينما الحامية التركية يجري حصارها بهدف إماتتها جوعاً.

كما طلب المقيم زورقين حربيين تمّ توفيرهما، وأفادنا بأن حكومة الهند قد طلب منها الردّ على سؤال حول مدى المساعدة التي يمكننا تقديمها للأتراك نظراً للعلاقات التجراية الوثيقة القائمة بين القطيف والبحرين.

كما رفعتُ لكم مقترحاتي لتزويد زورق المعتمد السياسي بالسلاح لإستخدامه في المياه الضحلة لملاحقة قوراب القراصنة العائدة للبدو، على أن أبقى على اتصال برقي بالبصرة في الوقت الحاضر، وأن أتوجّه الى القطيف فيما بعد إذا ما دعت الضرورة.

تلقيت موافقتكم على مقترحاتي في برقية رقمها 21 وتاريخها 14 من الشهر الجاري (أغسطس).

وفي اليوم ذاته تلقيتُ معلومات أخرى في رسائل من المعتمد السياسي في البحرين، أرسها إليّ والى سعادة القنصل هنا (البصرة) تشير الى أن الأحوال في القطيف وصلت الى مرحلة التردّي بالغ الخطورة فعلاً.

كان في نيّتي الإعتماد على تعاون قوات التعزيزات التركية، وتغطية عمليّة الإنزال من الزورق البخاري المسلّح العائد للمعتمد السياسي في البحرين، إذ لا السفينة (سفنكس) ولا الزوارق المزوّدة بالمدافع تستطيع الإقتراب لمسافة أميال عدّة بعيداً عن القطيف.

ومن المعتقد هنا، أن هؤلاء البدو لن يواجهوا المدافع أو القوات المنضبطة.

أما موقف والي البصرة الذي تقع القطيف ضمن منطقة صلاحياته القانونية، فيصعب فهمه. كان مطلعاً تماماً على حال الأوضاع يوم السادس من هذا الشهر (أغسطس) هذا إذا لم يكن قبل ذلك، وقد طلب القائمقام في القطيف منه أن يرسل تعزيزات وسفينة حربيّة تركية.

في ذلك اليوم جاءني الوالي ليرد على زيارة سابقة، وقال لي إنه سيرسل قوات، ثم أعرب عن أمله بأننا سنقدّم له المساعدة التي سيرحب بها أجمل ترحيب، كما أعرب عن شكره للدعم والمسعادة المعنويين اللذين قدما فعلاً الى القائمقام في القطيف بصورة غير مباشرة، وذلك نتيجة وجود الباخرة (لابوينغ)، وكذلك الإجراءات التي اتبعت للحدّ من نشاط وعمليات القرصنة.

أبلغتُ الوالي أنه لا يمكن تقديم مساعدات فاعلة أخرى إلاّ بطلب رسمي لم يقدّمه بعد، وهو طلبٌ يجب أن يكون خطيّاً، توافق عليه الحكومة، وقد ألححتُ عليه أن يرسل الجنود وزروقه الحربي دونما تأخير.

كما حثّ القنصل البريطاني هنا (البصرة) الوالي مراراً وتكراراً على الإسراع في إرسال التعزيزات ولكن دونما أية نتيجة حتى الآن، وقد رفض الوالي إرسال الزورق الحربي كيليد البحر في كل الأحوال.

قبل بضعة أيام، أبرق القنصل (البريطاني في البصرة) الى القسطنطينية يقترح القيام بخطوات هناك للحث على الإسراع في إرسال التعزيزات. وفي الخامس عشر من هذا الشهر (أغسطس) أكّد الوالي لسعادة القنصل بما لا يدع مجالاً للشك أن 150 جندياً ومدفعين سيتوجهون الى القطيف على ظهر الباخرة كيزيمي المعدّة لخوض المياه الضحلة وذلك في يوم 16، لكن إرسالها تمّ تأجيله. ويقال الآن أن 180 جندياً سيتحركون غداً، في حين يقدّر عدد أفراد الحامية في القطيف في الوقت الحاضر بسبعين رجلاً.

بعد لقائه به، أبلغني القنصل أن الوالي ربمالن يتقدم بطلب أو نداء رسمي خطّي للحصول على المساعدة البريطانية، ولكنه لن يعترض أو يستنكر تدخّل القوات البريطانية أبداً، ويبدو انه مايزال يأمل في الحصول على مساعدات دون أن يعرّض نفسه لمثل هذا الموقف والى هذا الحدّ.

ربما يعود تلكّؤ الوالي الى خوفه من إمكان تناقص عدد أفراد حامية البصرة، وهي الحامية التي تضاءلت نتيجة إرسال أعداد كبيرة من أفرادها لإخماد الإضطرابات في أعالي النهر، كما أن قائد تلك القوات متحمّس جدّاً لإرسال قوات دعم وإمداد على الفور.

الإتصال بالبحرين (من البصرة؟) أمرٌ في غاية الصعوبة، فلا يوجد فيها جهاز برقي، والبريد يصلها من بوشهر مرّة كلّ خمسة عشر يوماً. وهناك بريدٌ إسبوعيّ يأتي من مسقط، ولكن برقية ترسل الى مسقط، يستغرق إرسالها بالبريد من البحرين الى المرسلة اليه خمسة أيام. أنا أقترح بل وأرى أنالأوضاع الحالية تظهر مدى الحاجة الى إقامة اتصال برقي هنا (البصرة).

ما إن وصلتني أولى المعلومات يوم اسادس من هذا الشهر (أغسطس) حتى سارعت بالكتابة الى الرائد البحري شوتر مبيّناً له مدى ضرورة التصرّف بحذر بالغ تجاه قضيّة القطيف هذه، وألاّ يستخدم القوّة إلاّ في حال وقوع عمليات قرصنة فعليّة.

في 14 من الشهر الجاري (أغسطس)، قدمت لنا الباخرة الجعفري فرصة لمعاودة الإتصال مرّة أخرى، وقد أبلغت قائد السفينة في البحرين أن عملياته يجب أن تقتصر على الحدّ من عمليّات القرصنة وحماية اللاجئين الهاربين، وذلك بانتظار قرار من الحكومة (البريطانية).

وكانت نيّتي من وراء كل الترتيبات (تجنيد كل رجل أوروبي وجد في المنطقة) هو الإسراع في التوجّه الى القطيف وتوجيه العمليات هناك وعلى الطبيعة.

تلقيتُ برقيتكم رقم 22 يوم 16 من الشهر الجاري، وكانت أوامركم تقضي بعدم المشاركة في أيّة عملية نيابة عن تركيا إلاّ بعد الحصول على موافقة قيادة البحريّة، وأن تقتصر جهودنا على تقديم المساعدة للاجئين كلّما دعت الحاجة. في وقت متأخر من ذلك اليوم تلقيتُ برقيتكم رقم 23 التي أبلغتموني فيها أن قيادة البحرية ترفض إنزال ذوي المعاطف الزرقاء الى برّ القطيف، وأن تقتصر المساعدات البحرية على ما يمكن تقديمه بالقوارب ومن البحر.

كنتُ قد أصدرتُ أوامري على ضوء هذه التعليمات الواردة أعلاه، ولكن نظراً لهذا الأمر القاطع الأخير، ورغبة مني في أن لا تقع أيّة أخطاء، قررتُ التوجّه الى بوشهر، حيث ستصل السفينة (لابوينغ) كما سمعتُ لتوّي، لتأخذ مؤونتها من الفحم غداً. سأظلّ على اتصال بالرائد البحري غولد سميث، وإذا دعت الحاجة فسأتوجّه بنفسي الى القطيف، وأتحاور مع الرائد شوتر، وأتأكّد بخصوص حالة الأوضاع هناك، ثم أعود الى الفاو لأستعيد الإتصال البرقي يوم 25، بعد زيارة الكويت، التي طلب منّي المعتمد السياسي التوجه إليها والحضور هناك يوم 22 من الشهر على وجه الخصوص. من المحتمل أن تأتي السفينة (لابوينغ) بطلب مساعدة من المقام ؟؟؟.

.. بينما حالة القلاقل مسمرة في هذا الجزء من البلاد، فسيكون وجود سفينة في النهر ضرورياً لحماية المصالح البريطانية، هذا بالإضافة الى متطلبات موسم قطف التمور.

.. سأرسل تقريراً في أقرب فرصة ممكنة.

توقيع/ شيرلي لتشفيلد

قائد الأسطول في الخليج الفارسي

 

(11)

 

من: نائب الملك

في: 19 أغسطس 1908

خارجي سرّي

بالإشارة الى برقيتنا رقم... وتاريخ 13 أغسطس بخصوص القطيف. نرسل البرقيات التالية لاطلاعكم:

الأولى: من القنصل العام في بغداد، مؤرخة في 15 أغسطس:

(يبدو أن سكان بغداد لا يعرفون شيئاً عن قضيّة القطيف. أمّا الوالي فيبدو متكتّماً وميّالاً للتعامل مع المسألة باعتبارها لا أهمية لها. يقول القائد باشا إن المسؤول المدني في القطيف، والذي يوجد تحت إمرته قوّة مؤلّفة من 70 رجلاً، طلب أغذية وتعزيزات يوم الثالث من أغسطس (تقريباً). وقد تمّ إرسال 200 جندي من البصرة على ظهر الزورق الحربي التركي كيليد البحر، ويتوقع أن يغادر بغداد أيضاً مائة رجل آخرون ومعهم مدفع واحد متوجهين الى القطيف خلال بضعة أيّام).

الثانية: صادرة عن بوشهر بتاريخ 15 أغسطس وتقول:

(اكّد والي البصرة للقنصل وطمأنه الى أن قوّة دعم مؤلّفة من 150 رجلاً ومعهم مدفعان تغادر البصرة غداً متوجهة الى القطيف).

برقية رقم 30820/ P 203

من: السير إدوار غري (وزير الخارجية)

الى: السير ج. لوثر (السفير في القسطنطينية)

في: وزارة الخارجية، 4 سبتمبر 1908

أبرق القنصل العام في بوشهر الى نائب الملك يقول إن 320 جندياً تركياً بدأوا رحلتهم باتجاه القطيف. غادر الجنود البصرة يوم 26 من الشهر الماضي ومعهم مدفعان.

 

(12)

 

رقم: 2551

تاريخ: بوشهر، 23 أغسطس 1908

من: الكابتن أ. ب. تريفور، المساعد الأول للمقيم والمسؤول عن المهام الحاليّة.

الى: س. هـ. بتلر، سكرتير حكومة الهند في وزارة الخارجية، سيملا.

بخصوص موضوع الأحداث الأخيرة في القطيف، أرسل لكم مذكرة أخرى حول هذا الموضوع مبنيّة على معلومات تلقيناها من المعتمد السياسي في البحرين.

مذكّـرة

على إثر عودة السفينة (لابوينغ) من القطيف يوم 13 أغسطس، أبلغ قائدها غولد سميث المعتمد السياسي في في البحرين أنه زار القائمقام يوم التاسع من الشهر الجاري (أغسطس)، وأن هذا الأخير أبلغه بعد تردّد أنه إن لم تصله التعزيزات خلال اسبوع، فإنه يخشى أن يضطرّ الى طلب زورق حربي (بريطاني) لتقديم بعض المساعدة الفعّالة على الشاطيء.

أمضى الكابتن سميث ليلته على ظهر (البحرين) الزورق البخاري التابع للمعتمدية، خارج بلدة القطيف، وقد سمع خلال الليل تبادل إطلاق النار على امتداد المنطقة بأكملها. ويوم الحادي عشر من أغسطس صعد الشيخ جاسم شيخ دارين على ظهر السفينة (لابوينغ) وتطوّع بتقديم معلومات مفادها أن القرصان سيّء السمعة أحمد بن سلمان قد انضمّ الى البدو مع قواته، وأن البدو استولوا على مدفع قديم من حصن الدمام المدمّر (والذي كان فيما مضى معقل الزعيم الشيخ عبد الله بن أحمد، شيخ البحرين) وحملوه الى نقطة تشرف على القطيف لاستخدامه في ضرب حصنها.

كما وصلت الى البحرين ثلاثة قوارب محمّلة باللاجئين الفارين من القطيف يوم 13 أغسطس، وقد أكّد هؤلاء الأخبار عن أحمد بن سلمان، وقالوا أنه أشعل فتيل المدفع بنفسه مرتين، ولكن الأتراك قاموا بعد ذلك بهجوم مباغت استعادوا على إثره المدفع.

أمّا الرائد البحري بريدو برون، الذي كان أرسل يوم 13 من هذا الشهر لتفحّص الخط الساحلي من الدمام الى العقير في زورق المعتمدية، فقد عاد الى البحرين يوم 14 أغسطس، بعد أن التقى بمدير العقير، حيث استقبله هذا الأخير بأدب جمّ، وأبلغه أنه فقد الأمل بعودة ابن سعود الى جوار القطيف.

بوشهر في 18 أغسطس 1908

 

(13)

 

رقم: 2582

تاريخ: بوشهر، 29 أغسطس 1908.

من: الكابتن أ. ب. تريفور، المساعد الأول للمقيم والمسؤول عن المهام الحالية.

الى: س. هـ. بتلر، سكرتير حكومة الهند لدى وزارة الخارجية في سيملا.

فيما يتعلّق بأحداث القطيف الأخيرة، أرسل لاطلاع حكومة الهند مذكرة جديدة حول الموضوع، مبنيّة على معلومات تلقيناها من المعتمد السياسي في البحرين.

  مذكّرة

(25أغسطس 1908)

آخر الأخبار الآتية من مصدر موثوق، والتي حملها قارب شراعي آتٍ من القطيف تقول ما يلي:

1 - في ليلة السادس عشر من أغسطس، أبحرت مجموعة مؤلّفة من مائة رجل من بلدة القطيف في محاولة لشراء بعض الخضار. قتل المحاصرون ستة منهم.

ملاحظة: مترجم السفينة لابوينغ هو الذي سمع هذا حين نزل الى برّ القطيف صبيحة اليوم التالي لحدوث الحادثة المذكورة، برفقة الكابتن شوتر والكابتن غولد سميث. ولكن من الواضح أن أحداً لم يصدّق قصّته عى إثر إعلان القائمقام بأن البدو توقّفوا عن إزعاج البلدة.

2 - وفي الثامن عشر من أغسطس، هاجم البدو بلدة سيهات، فقتلوا سبعة من المدافعين عن البلدة، وجرحوا ثلاثة.

3 - أرسل الحاج منصور باشا رسالة الى صديق له في البحرين يقول فيها، إن أهالي البلد شارفوا علىالموت جوعاً.

4 - سكان قرية القديح، وهي قرية مسوّرة قريبة من القطيف، تمكّنوا بعد أن شارفوا على الوقوع في الأسر، من شراء حريّتهم من البدو، حيث دفعوا لهم 4000 روبيّة، وسلّموهم ثمان بنادق.

5 - ما يزال هناك قرويّون يقاومون، على الرغم من اشتداد الضغط عليهم، في الكويكب والدبابيّة ومدارس وميّاس والشريعة، وهي جميعاً قرى تشكّل ضواحي البلدة (القطيف).

6 - يعتقدون في البحرين، أن عبد العزيز بن سعود يشجّع البدو على الإعتداء، وأنّه لن يتدخّل إلاّ إذا عُرض عليه حكم الواحة.

 

(14)

 

الموضوع: الوضع في القطيف

من: قائد السفينة سفنكس في بوشهر

الى: رئيس أركان الأسطول في جزر الهند الشرقية

تاريخ: 20 أغسطس 1908

رقم: 42 a / 08

سيدي :

يبدو من التقارير الخطيّة والشفهيّة الواردة لي، ان الوضع في القطيف قد تحسّن كثيراً، وفي رأي الرائد البحري شوتر، أن الأمر لم يكن أبداً بتلك الدرجة من الخطورة التي تصورناها سابقاً، وقد يكون الرائد البحري شوتر على حق. ويبدو من غير المحتمل الآن أن يطلب الأتراك مساعدتنا العملية.

التعزيزات التي طال انتظار تحرّكها من البصرة يفترض أن تكون قد غادرتها يوم 18 أغسطس، ولكني لم أسمع شيئاً عن مغادرتها البصرة حتى الآن.

التقارير التي تتحدث عن زحف هذه التعزيزات يبدو أنها حدّت من نشاط البدو، وليس هناك من سبب الآن يمنع مغادرة اللاجئين الذين يودّون الهرب من القطيف، أو يمنع استئناف النشاط التجاري.

وقد علمت أن أهل القطيف ربما يستعيدون ثقتهم بأنفسهم حين يعلومون بوصول المجموعة التي توجهت الى البحرين سالمة، والتي غادرت القطيف بعد توجيه الإنذار الى قوارب القرصنة بالإبتعاد عن المنطقة، وهو الإنذار الذي أطلقته السفينة لابوينغ وزورق المعتمدية.

... وفي اعتقادي، إنه لا داعي لوجود قطعة بحرية أو أكثر مزوّدة بالمدفعيّة، سواء في مياه البحرين أو مياه القطيف، في الظروف الحالية.

وإذا ما طرأت تطورات جديدة على الوضع في القطيف، وطلبت منّا المساعدة، وتمّت الموافقة على مثل هذا الطلب، فإنني وعلى ضوء المعلومات الجديدة المحليّة التي قدّمها لي الرائد غولد سميث، لا أرى ولا أعتقد أن بإمكان أيذة قوّة يمكن إنزالها الى البرّ من سفن فوج الخليج أو حتى من إحدى السفن الأكبر حجماً، أنتقدّم أكثر من الإحتفاظ بالحصن الواقع قرب شاطيء القطيف، وربما طرد البدو من بساتين النخيل القريبة من أسوار البلدة.

لكي يمكن طرد البدو من المناطق المجاورة للقطيف وتطهيرها منهم، وعلى افتراض أن لديهم من الذخيرة ما يكفي، وأن التعزيزات القادمة من البصرة لدعم حامية القطيف لن تستطيع استنفاذ صبرهم.. فإن ملة عسكرية لا يقلّ تعدادها عن 500 رجل من أهل البلاد ستكون مطلوبة وضرورية، ويمكن إنزالها الى البرّ بيسر وسهولة أكبر في المنطقة الممتدة شمال رأس تنورة.

وليس هناك من سبب، كما يبدو، لحدوث مجاعة أو تجويع بين أفراد الحامية الحالية، طالما بقيت قوارب القراصنة بعيدة عن مياه البلدة، وطالما ظلّت القلعة القائمة على ساحل القطيف صامدة، والسيطرة على الشاطيء مقابل البلدة مؤمّنة.

علمتُ أن ضعف الثقة بالنفس، وانعدام القدرة على التخطيط، هما اللذان يحولان الآن دون قيام اتصالات بحرية دائمة وآمنة بين القطيف والبحرين.

فيما يتعلّق بالمعلومات الجديدة التي قدمها الرائد غولد سميث في تقريره المؤرخ في العشرين من الشهر الجاري (أغسطس)، يبدو أنه كان من الأفضل لو أن المعتمد السياسي قابل القائمقام بنفسه. أبلغني الرائد غولد سميث أن ما أقدم عليه من توجيه إنذار لقوارب دارين بالإبتعاد عن مياه القطيف وجوارها، إنّما حدث بناءً على طلب وموافقة المعتمد السياسي، ويبدو أن هذا التصرّف اعتبر مبرّراً على إثر النتائج المتمثلة في توقّف عمليات القرصنة.

كما علمتُ أن الشيخ جاسم، شيخ دارين، مشكوكٌ في أمره، وهي شكوك في محلّها، وأن هذه الشكوك تتركّز حول تعاونه مع البدو.

أصدرتُ تعليمات الى الرائد شوتر تنصّ على أنّه في حال إجراء مقابلات أخرى مع القائمقام (في القطيف) وإذا ثبت أن مثل هذه المقابلات أمرٌ ضروري، فيجب أن يطلب من المعتمد السياسي (في البحرين) أن يرافقه وأن يقابل القائمقام شخصياً، أو أن يتبادل الرسائل معه.

أرى أنه ليس من المصلحة أن نُظهر تحيّزاً للأتراك على هذا النحو، لأنّ هذا التحيّز قد يشجّع آمالهم بأننا نرغب في تقديم المساعدة، ممّا قد ينتج عنه تأخيرٌ جديد في إرسال التعزيزات التركية المناسبة.

توقيع

شيرلي لتشفيلد

 

(15)

 

في: 20 أغسطس 1908

إبلاغ عن تحركات السفينة الحربية (لابوينغ) الراسية في بوشهر

إضافة الى تقرير تحركات السفينة لابوينغ في مياه القطيف والمرسل اليكم بتاريخ 13 أغسطس 1908، أبلغكم الان بما يلي:

تلقى الرائد البحري بريدو برون طلباً خطيّاً من قائمقام القطيف لاحتجاز القوارب المتنقّلة بين رأس تنورة والبحرين، وبناءً عليه أمرتُ جميع القوارب الراسية في دارين بمغادرتها، وإلاّ فإنّها ستحجز، وتجرّ الى القطيف.

أمّا قوارب صيد اللؤلؤ القادمة من الشواطيء، فقد سمح لها بالدخول والتزوّد بالمياه، على ألاّ تبقى في الميناء مدّة تزيد عمّا هو ضروري جداً. كما أبلغتُ جميع القوارب الصديقة فعلاً، أنّها إذا رغبت في نقل المؤن الى دارين، فإن عليها أن تحصل على إذن خطّي من المعتمد السياسي في البحرين، قبل أن أسمح لها بالتوجّه الى هناك.

اوضحتُ للقائمقام بأنني لن يكون بإمكاني القيام بعمل عسكري مسلّح إلاّ إذا قدّم لي طلباً خطيّاً بذلك، وعندها سيكون عليّ طلب إذنٍ بذلك من حكومتي.

من الصعب جداً الحصول على معلومات موثوقة من القائمقام، وليس هناك من سبب ظاهر الآن يمنع مجموعات إضافية من اللاجئين من مغادرة القطيف، إذ لديهم قوارب موجودة تحت تصرّفهم، ولا يتوقّع أن تحاول قوارب القرصنة العودة الى القطيف بينما السفينة الحربية البريطانية موجودة في البحرين أو في الجوار.

إذا أصبح في أيّة فترة مستقبلية من الضروري إرسال طواقم قوارب مسلّحة الى القطيف، فستكون تلك عمليّة بالغة الخطورة، وذلك بسبب ضحالة المياه حول القطيف، ولأنّ الزوارق الحربيّة لا يمكنها الوصول الى القطيف إلاّ حين يكون المدّ عالياً.

توقيع، أ. ن. غولد سميث (قائد السفينة)

 

(16)

 

السفينة الحربية (سفنكس)

في: 21 أغسطس 1908

مذكرة الى: قائد السفينة (ردبرست)

أولاً : منذ أن أرسلتُ مذكرتي المؤرخة في 14 من الشهر الجاري، وصلتنا برقياً الأوامر والتعليمات التالية من رئيس الأركانن ونرسلها بدورنا لكم للإطلاع والعمل بموجبها:

يجب إبلاع المعتمد السياسي في البحرين بما يلي:

1 - ينبغي ألاّ يتخذ أيّ إجراء نيابةً عن تركيا بدون موافقة قيادة البحريّة، ولكن ينبغي مساعدة اللاجئين فقط، وحسب الضرورة.

2 - أبلغت قيادةُ البحرية وزارة الخارجية ووزارة شؤون الهند، أنها لا ترغب في إنزال جنود المعاطف الزرقاء الى القطيف. وإذا صدر أمر بتقديم المساعدة البحرية، فيجب أن تقتصر على ما هو ممكن من البحر وبواسطة القوارب (استلمت بتاريخ 16 أغسطس).

3 - أبرقت قيادة البحرية الى رئيس الأركان بالتالي:

في حال تقديم طلب للمساعدة (من قبل الأتراك) اطلبوا تعليمات قبل إعطاء الإذن بالتصرّف (استلمت بتاريخ 20 أغسطس).

ثانياً: أنتم ملزمون إذن بحصر أعمالكم في مياه البحرين والقطيف في نطاق محاربة القرصنة وتمكين الزوارق من التحرّك والإبحار ما بين البحرين والقطيف بسلام.

وإذا ما رغب أيّ لاجيء بالرحيل عن القطيف، فسيكون بإمكانهم عندئذ أن يفعلوا ذلك بدون مساعدة، ودون خوف من المضايقات والإعتداءات، وإذا ما عادت الثقة، ربما يستأنف النشاط التجاري ايضاً.

ثالثاً: يبدو لي أن زورقاً حربيّاً واحداً سيكون كافياً، بالإشتراك مع زورق المعتمديّة، لهذه المهمّة، ولقد فهمتُ من رسالة تلقيتها من الميجور بريدو (المعتمد)، أنه لن يعترض على سحب السفينة (لابوينغ) حين يطّلع اطلاعاً كاملاً على موقف آمريّة البحر، ووجة نظرها تجاه هذه المسألة. وفي كلّ الأحوال ينبغي على السفينة لابوينغ أن تعود الى بوشهر للإلتقاء بي هنا يوم الخامس والعشرين من الشهر الجاري، لتقدّم لي آخر المعلومات حول الأوضاع، خصوصاً فيما يتعلّق بسلامة وأمان التنقّل بين البحرين والقطيف، وما إذا كانت هناك أيّ بوادر لاستئناف النشاط التجاري.

رابعاً: نوجّه انتباهكم الى المادة 249 من نُظم الخدمة البحرية ( S.O.B) التي نرغب إليكم اتباعه، خصوصاً تجاه القضيّة الحالية، ولا أريد منك ولا من أيّ ضابط خاضع لأمرتك أن تجري أيّة مقابلات أخرى مع القائمقام، ولقد أوضحتُ أسبابي بهذا الخصوص للمعتمد السياسي. وإذا كان الإتصال بقائمقام القطيف ضرورياً، فعليك ان تطلب من الميجور بريدو (المعتمد السياسي في البحرين) أن يقوم بذلك، إمّا شخصياً أو كتابة. وإذا كان القائمقام يرغب في إرسال رسالة أو تقرير إليكم أو الى المعتمد السياسي، فيمكنه إرساله بالطريقة التي سيكون عليك تأمينها.

خامساً: وإذا ما أرسل القائمقام إليكم أو الى الميجور بريدو، طلباً خطيّاً لمساعدته، فأرسله إليّ شخصياً على الفور برقياً عن طريق بوشهر، ثم بلّغ قيادة البحرية بذلك.

سادساً: كان من المتوقع أن تغادر البصرة قوّة مؤلّفة من 180 جندياً ومدفعين، وذلك في 18 من الشهر الجاري، ولكني لم أسمع بعد بمغادرتها.

سابعاً: لن تذهب (لابوينغ) الىكراتشي في كلّ الأحوال، والسفن الحربية الثلاث باقية في مياه الخليج في الوقت الحاضر.

ثامناً: ابق على اتصال دائم بي لإبلاغي واطلاعي في كلّ مناسبة على الأوضاع. سأعود الى هنا في 25 من هذا الشهر، وسأخبركم عن كلّ تحركاتي المستقبليّة في حينها، كما أن تحركاتي ستكون معروفة لدى المساعد الأول للمقيم.

توقيع/ شيرلي لتشفيلد

قائد اسطول الخليج وكبير ضباطه

 

(17)

 

من: قيادة البحرية

الى: وزارة الخارجية

في: 22 أغسطس 1908

سيدي :

رداً على رسالتكم المؤرخة في 19 من الشهر الجاري، أمرتني قيادة البحريّة أن أطلب منكم إبلاغ وزير الخارجية بأن البرقية التالية أُرسلت الى قائد الأسطول في جزر الهند الشرقية:

( بالإشارة الى برقية قيادة البحرية رقم 78، تفيد وزارة الخارجية أن الباب العالي لم يطلب المساعدة البريطانية في القطيف، على الرغم من إدراكه ومعرفته بوجود السفن الحربية البريطانية في المياه المجاورة. وسيرسل الباب العالي كتيبة عسكرية من البصرة).

وقد تمّ تلقي إشعار باستلام قائد الأسطول للبرقية

توقيع/ و. غراهام غرين

 

(18)

 

من: السفينة سفنكس في البصرة

الى: رئيس أركان البحرية في جزر الهند الشرقية

في: 28 اغسطس 1908

تشير آخر التقارير الى تحسّن آخر في أوضاع القطيف، والى احتمال انتهاءٍ للإضطرابات وشيك.

حين عدتُ الى هنا أمس، سمعتُ أن 320 جندياً تركياً ومدفعين أبحروا الى القطيف يوم 26 من الشهر الجاري (أغسطس).

لم تقع أيّة حوادث قرصنة منذ تمّ طرد القوارب من دارين، والقوارب الثلاثة التي غادرت القطيف محمّلة باللاجئين يوم 12 أغسطس وصلت سالمة الى البحرين، كما وصل عشرة قوارب سالمة الى البحرين قادمة من القطيف وهي ترفع العلم التركي، وذلك يوم الثالث والعشرين من الشهر الجاري.

كما أن الأغذية والمؤن بدأت بالوصول الى القطيف، باستثناء حصن منعزل في قرية مجاورة، مايزال مقطوع الإتصال بالخارج، وهو في وضع سيّء.

ويبدو أن هجمات البدو لم تعد تحمل ذلك التصميم والإصرار، ولا ذلك التكرار الذي كان لها في السابق.

أوكلتُ الى السفينة ردبرست وزورق المعتمدية (البحرين) مهمّة منع أعمال القرصنة، ويفيد الرائد شوتر بأن الثقة بالأمن بدأت تعود الى مسافري البحر.

للحيلولة دون استيلاء البدو على القوارب الراسية في دارين، ثمّ استخدامها في أعمال القرصنة، صدرت أوامر بمنع رسو القوارب هناك مدداً أطول من اللازم عند حضورها للتزوّد بالماء والمؤن. كما أبلغني الشيخ مبارك شيخ الكويت بأنه أصدر أوامر مشدّدة للقوارب الكويتية للإلتزام بهذا الترتيب.

ورغبة منّا في فصل العمليات البحرية البريطانية الهادفة الى القضاء على القرصنة عن أيّ عملية قد تبدو تدخلاً من قبلنا لصالح الأتراك، أو تدخّلاً في شؤونهم، صدرت الأوامر الى الرائد البحري شوتر (قائد ردبرست) بأن يتحاشى زيارة القطيف بسفينته، ما لم يكن ذلك ضرورياً للغاية، للتأكّد من عدم وقوع أعمال قرصنة هناك.

أمّا دارين، فسيزورها الزورق التابع للسفينة كلّما دعت الحاجة، وذلك للتأكّد من عدم وجود قراصنة مختبئين فيها. إن البدو يعرفون أن السفن الحربية البريطانية ترابط قريباً من القطيف لمنع القرصنة، ونحن نرى أن ظهور الزورق التابع للبحرية في تلك المياه، بينما ترسو السفينة ردبرست في البحرين، أو مبحرة قرب شواطيء صيد اللؤلؤ، سيكون كافياً لردع القراصنة عن النزول الى البحر.

وقد صدرت أوامر تقضي بعدم نزول أي شخص (من السفن البريطانية) الى برّ القطيف أو دارين، باستثناء المعتمد السياسي شخصياً، وإذا رغب هو في ذلك. كما أمرتُ القطع الحربية بألاّ تمتثل لأيّ طلب من القائمقام إلاّ إذا صدرت تعليمات تقضي بذلك.

يفترض أن الشيخ جاسم، شيخ دارين، متورّط كما يظن في تمرّد البدو، ولكني علمتُ أن موقفه العام هو الحياد الظاهري (الجلوس على السياج بانتظار النتائج).

حين زار الرائد شوتر قائمقام القطيف يوم 16 أغسطس الجاري (قبل أن تصله تعليماتي وأوامري) طلب منه القائمقام أن يلقي القبض على الشيخ جاسم ويسلّمه له، لكن الرائد شوتر أوضح للقائمقام وهو محقّ في هذا أنه ليس بمقدوره القيام بمثل هذا العمل.

أمرتُ بسحب السفينة لابوينغ من البحرين وارسلتها جنوباً باتجاه مسقط، حيث الطقس الحار جداً قد انتهى أو شارف على الإنتهاء، وسنتصل بها برقياً لتكون جاهزة لأداء أيّة خدمة قد تطلب منها.

عندما زرتُ الكويت في الفترة الواقعة بين 22 و 24 من الشهر الجاري، أبلغني الشيخ مبارك أن القطيف طلبت منه المساعدة والدعم لمهمّة تشتيت البدو وإبعادهم، ولكنه ردّ بالقول إنه لا يعتقد أن مثل هذا التدخّل في صراع بين السلطات التركية المحليّة والبدو سيكون صحيحاً ولائقاً.

أعتقد أنه ربما يكون مقبولاً أن نتوقّع عودة السلام الى القطيف بعد وصول القوات المرسلة من البصرة مباشرة. ولكن القطيف سيّئة الحظ ستتكبّد خسائر جسيمة نتيجة تدمير محاصيل التمور التي يملكها أهالي القطيف.

 

(19)

 

من: القائم بأعمال القنصل البريطاني في البصرة

الى: السير ج. لوثر في القسطنطينية

في: 29 أغسطس 1908

أبلغكم أنه، طبقاً لآخر الأخبار، بقيت الأمور في القطيف على ما كانت عليه. استمرّ القتال، لكن حامية تركية صغيرة مؤلّفة من سبعين رجلاً نجحت في الإحتفاظ بالبلدة، وألحقت طبقاً لتقارير موثوقة جداً خسائر بلغت أربعمائة قتيل في صفوف المحاصرين للبلدة، في حين خسرت هذه القوات ما بين مائة ومائتي شخص بين مقاتل وغير مقاتل على الجانب الآخر.

ويوم الأربعاء الموافق للسادس والعشرين من أغسطس، توجهت الى القطيف الكتيبة الرابعة من الفوج الثاني والأربعين، ومعها مدفع من (علي الغربي) وآخر من (العمارة)، وكانت هذه القوة تتألف من مائتي رجل، رافقهم مائة جندي من الكتيبة الثالثة التابعة للفوج الثاني والأربعين، كما رافقهم متصرّف الأحساء الذي عيّن مؤخراً.

كما أُرسل قائد الجندرمة (الدرك) في البصرة في مهمّة التحقيق في أسباب الإضطرابات، ومن المعلومات التي حصلتُ عليها لا أشكّ أبداً في أنّ هذه القوات ستكون كافية لتشتيت البدو، وإعادة الهدوء والأمن الى القطيف.

 

(20)

 

الوضع في القطيف

من: قائد السفينة سفنكس في البصرة، قائد قطع فوج الخليج الفارسي

في: الأول من سبتمبر 1908

الى: رئيس أركان البحرية في جزر الهند الشرقية

  سيدي :

لاحقاً لتقاريري السابقة بخصوص الأوضاع في القطيف، أُبلغكم بأن 320 جندياً تركياً ومدفعين ومؤونة شهرين تمّ إنزالهم بسلام في القطيف، ومن على ظهر الباخرة جون أو سكوت، وذلك يوم 28 أغسطس، وقد تمّ ذلك دون أيّة مقاومة.

أبلغني القائد التركي هنا، أنّه سمع بأن البدو بدأوا يتفرّقون مبتعدين، ورأى أنه من غير المحتمل أن يظهروا أيّة مقاومة حقيقية ضدّ القوات التركية.

من جهة أخرى، هرب الشيخ جاسم، شيخ دارين، الى بومباي، ويقال إنه يخشى أن يتخذ قائمقام القطيف إجراءات ضدّه عند وصول التعزيزات التركية. وقد طلب الشيخ التوجّه الى البحرين علىظهر السفينة (ردبرست) ولكن طلبه رُفض.

هذا وقد عاد زورق المعتمدية الى البحرين يوم 28 أغسطس من مهمّة في مياه القطيف، وأبلغنا أن كلّ شيء هاديء في البحر.

توقيع/ شيرلي لتشفيلد

قائد اسطول الخليج الفارسي

 

(21)

 

الوضع في القطيف

من: السفينة سفنكس الراسية في جزيرة خرج

الى: رئيس أركان قطع الأسطول في جزر الهند الشرقية

في 18 سبتمبر 1908

  سيدي :

لاحقاً لتقاريري السابقة، أفيدكم الآن بأنّ الأوضاع ليست هادئة في القطيف.

لدى وصول التعزيزات التركيّة يوم 28 أغسطس، سادت هدنة وتمّ على أثرها التوقيع الى اتفاقية سلام، وقّع عليها البدو وأهالي القطيف. وقد بلغني ان المسؤول المدني الذي رافق القوات، أوقف القائمقام عن ممارسة مهامه، واعتقل ستة من كبار تجار القطيف بمن فيهم ضامني الجمارك، وعادت قوات الحملة التركية الى البصرة في العاشر من هذا الشهر (سبتمبر).

شارف موسم صيد اللؤلؤ على الإنتهاء، وسينتهي نهائياً يوم 26 سبتمبر الجاري، ولن أرسل سفينة حربيّة الى البحرين مرّة ثانية هذا العام.

توقيع/ شيرلي لتشفيلد

 

راســــــــــلني من فضلــــــك ‍ ‍

نرجوا من إخواننا الذين يتصفحون هذا الموقع أن يتحفونا بأرائهم الهادفة وأن لايبخلوا علينا بالنصح والإرشاد لما فيه الخير للجميع

أخوكم أبو رضا